ابو القاسم عبد الكريم القشيري
312
الرسالة القشيرية
وقال أبو بكر ، رضى اللّه عنه ، في معنى قوله : « ثم استقاموا » : لم يشركوا . وقال عمر ، رضى اللّه عنه ، لم يروغوا روغان الثعالب . فقول الصديق ، رضى اللّه عنه ، محمول على مراعاة الأصول في التوحيد . وقول عمر ، رضى اللّه عنه ، محمول على طلب التأويل والقيام بشرط العهود وقال ابن عطاء : استقاموا على انفراد القلب باللّه تعالى . وقال أبو علي الجوزجاني : كن صاحب الاستقامة ، لا طالب الكرامة ؛ فان نفسك متحركة في طلب الكرامة ، وربك عز وجل ، يطالبك بالاستقامة . سمعت : الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أبا على الشبور يقول : رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم في المنام ، فقلت له : روى عنك يا رسول اللّه أنك قلت : « شيبتنى هود » « 1 » فما الذي شيبك منها : قصص الأنبياء وهلاك الأمم ؟ فقال : لا ، ولكن قوله تعالى : « فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ » . وقيل : إن الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر ؛ لأنها الخروج عن المعهودات ، ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي اللّه تعالى على حقيقة الصدق ؛ ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : « استقيموا ولن تحصوا » . وقال الواسطي : « الخصلة التي بها كملت المحاسن ، وبفقدها قبحت المحاسن : الاستقامة . وحكى عن الشبلي ، رحمه اللّه ، أنه قال : الاستقامة : أن تشهد الوقت قيامة . ويقال : الاستقامة في الأقوال : بترك الغيبة ، وفي الأفعال : بنفي البدعة ، وفي الأعمال بنفي الفترة « 2 » ، وفي الأحوال بنفي الحجبة . سمعت : الأستاذ الإمام أبا بكر محمد بن الحسين بن فورك يقول : السين في الاستقامة : سين الطلب ، أي : طلبوا من الحق ، تعالى ، أن يقيمهم على توحيدهم ، ثم على استدامة عهودهم ، وحفظ حدودهم .
--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن عقبة بن عامر وعن أبي جحيفة وقال حديث صحيح . وله روايات عدة انظر الفيض الفدير شرح الجامع الصغير . ( 2 ) أي الفتور .